محمد رأفت سعيد
268
تاريخ نزول القرآن الكريم
لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم : سلهم يا محمد عن القرية ، أما عذّبتهم بذنوبهم ؛ وذلك بتغيير فرع من فروع الشريعة واختلف في تعيين هذه القرية فقال ابن عباس وعكرمة والسّدّى : هي أيلة ، وعن ابن عباس - أيضا - أنها مدين بين أيلة والطور . وأما الزهري فيرى أنها طبريّة . وأما قتادة وزيد بن أسلم فيذكرون أنها ساحل من سواحل الشام بين مدين وعينون يقال لها : مقتاة . وكان اليهود يكتمون هذه القصة لما فيها من السبة عليهم « 1 » . وسورة الأعراف أول سورة طويلة تنزل بمكة ، فقد بلغت آياتها مائتين وست آيات بالآيات المدنية الثماني . وقرأ النبي صلّى اللّه عليه وسلم بهذه السورة على طولها في صلاة المغرب . فقد روى النسائي عن عائشة رضي اللّه عنها : أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم قرأ في صلاة المغرب سورة الأعراف ، فرّقها في ركعتين « 2 » . وعلى ذلك فإن سورة الأعراف تفصّل للناس من المعاني ما يدعم القضايا التي أثيرت في السور السابقة ، ومن هذه القضايا ما يتصل بالكتاب العزيز ، ورسول الله صلّى اللّه عليه وسلم الذي أنزل إليه الكتاب ، واستقبله بشوق وهمة وأنذر به الناس وبشرّ ، والناس نحوه على قسمين : قسم مستجيب مؤمن ، وقسم معرض معاند . وتبين السورة أمرا جديرا بالعناية نحو الكتاب والذي أنزل إليه وهو أمر الاتباع لما جاء به النبي صلّى اللّه عليه وسلم فالعلم وحده لا يكفى وإنما يجمع بين العلم والعمل . وأن عدم الاتباع والوقوع في الكفر يؤدى إلى التهلكة ، ولهم في القرى السابقة عبرة فقد جاءهم العذاب بغتة ليلا أو نهارا قال تعالى : المص ( 1 ) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 2 ) اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ( 3 ) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ ( 4 ) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ ( 5 ) . ومن القضايا الأساسية في السورة الكريمة ما يتصل بالسؤال الذي سيوجّه إلى الجميع : إلى المرسلين ، والذين أرسل إليهم وإخبارهم بما عملوا ، فالله أحصى ما صنعوا وما يغيب عنه سبحانه شئ : ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ ( 7 ) [ المؤمنون ] قال تعالى : فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ( 6 ) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ ( 7 ) . وما يسجّل على الإنسان أو له فإنما يسجّل بدقة بالغة ، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً
--> ( 1 ) القرطبي 7 / 304 ، 305 . ( 2 ) القرطبي 7 / 160 ، وفتح القدير 2 / 187 .